عيش اليوم بالطريقة الخاطئة

ينبلج خيط من الصبح رقيق في كبد السماء. فيقع من الليل موقع نزع فتيلٍ من نواة تمرة. فلا يكاد يكتمل سيره إلا وتختلط به خيوط منيرة زرقاء وبنفسجية. حتى إذا ما اشتبكت الخيوط وأصبحت كما النسيج الوضّاء، انفلتت لتنير الكون الفسيح. فيتناهى إلى السمع مع أول الضياء، زقزقة العصافير الناعسة، وسقوط قطرات الندى بعد أن تتكثّف على سعف النخيل، وأصوات أبواب الغرف، التي تسللت الشمس من نوافذ غرفهم المنزوعة الستائر، لتوقظهم بصمتها الدافئ.
وحينها، يتناهى إليّ صوتك أيها الكون الفسيح. فأنظر لصورتي المنعكسة على المرآة، وأحاول أن أوائم بيني وبين الأشياء من حولي. فلا أنظر في شيء، إلا وأنظر نحو نفسي. ولا أنظر في نفسي، إلا وأرى العالم، العالم الذي لا تستحسنه الروح، إلا بعدم اليقين الذي يكتنفه.
يتناهى إليّ صوتك أيها الكون الفسيح. فتتردد يدي حين أمر بها على قفص ببغاء بيتنا الأعرج. فلا أكاد أمضي حتى يضرب بجناحيه وسط القفص. ومتخيلًا أنني أوائم بيني وبين الأشياء من حولي، أحمل الببغاء كما روحي نحو الحوش الذي يتقدم الحديقة. حتى إذا وضعته واقتطعت الخيط الحديدي الرقيق الذي يقفل باب القفص، خرج متسحّب الخطى نحو العالم. ويحلّق، ولكن خارج القفص هذه المرة.
يتناهى إليّ صوتك أيها الكون الفسيح. فأترك روحي والببغاء مشدوهين وخجلين من رحابك الواسعة، لأطأ بقدمي أديم الحديقة. فما أكاد أفعل إلا وتتجعد الحشائش، وتميل زهرة برقّة نحو قدمي العارية. فأدنو بكفّي منها. حتى إذا ما لامست وريقاتها، ارتجف الساق، واشتدت الجذور، واستشعرت الضعف الذي تملكه وردة وحيدة في حديقة شاسعة. وأتخيلها كيف ستبدو جميلة بجانب الصبارة الصغيرة في غرفتي. لكنني رغم ذلك أتركها، متخيلًا أيضًا أن في كل زهرة نَفْسًا، وأن “من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا”.
ويتناهى إليّ صوتك أيها الكون الفسيح. فأمر آخر الليل بأبي وهو ينثر الأرز في قن الدجاج “يبا، شنو هذي النبتة، توني مريت يمها وريحتها حيل حلوة” وأشير نحو نبتة متشعبة بورود صفراء صغيرة، “هذي ملكة الليل، ما تطلع ريحتها إلا بالليل”. وكما وصمة في الذاكرة، أصبحت كلما لمحتها من غرفتي المطلة على الحديقة، ارتأيت صورة أبي حين يطيب مزاجه آخر الليل فيسكب له “استكانة چاي نعناع ويمد رجيلاته” على كرسي وسط الحديقة. فما إن تشرق الشمس، تتلاشى معها رائحة ملكة الليل النفاذة، ويقوم أبي عن كرسيه الذي يتوسط الحديقة، فترسم الوحدة على جسده، ويخالط الوهن نزعة الاستعلاء التي تخاتل مشيته، ويغيب وسط النخيل، ليجمع التمر.
حتى إذا ما قنعت من الغنيمة بالإياب، وأغلقت النافذة، واستلقيت على سريري، نظرت نحو السقف متسائلًا كيف أوائم بيني وبينه. أو بيني وبين الصوّان الصغير في زاوية الحديقة. أو بين الظلال وأصحابها. أو بين فكرة أن الحنين لا يسكنني، ولكنه في المسافة البسيطة بيني وبينك. أو أن أخي حين قال لي أن الحكومة تنتظر الشعب يعتاد الفقد، حتى يرفع الحظر، أنه لم يكن يدرك أن الفقد كما بركة ماء أبديّة، فما يطش جراء قذف حجر صغير وسطها، يعوضه المطر. وأن الأشياء العادية، التي يحاول المرء أن يوائم بينها وبينه، تقع في النفس موقع المياه من الغريق، والأناة من الراحل، والنعاس من النائم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: