قسماتنا الخاصّة والغياب

أمام رف صبغات الشعر، أقف مشدوهًا من كمية الألوان المصنفة تحت اللون البني. تحت ماركة Garnier تلمح عيني خمس درجات: البني الغامق، البني الغامق اللمّاع، البني الفاتح، البني الفاتح اللمّاع، بني الشوكولاته بالقرفة. أختار البني الغامق تجاوزًا بعد اتصالي بأختي ثلاث مرات دون أن ترد.
لا أعرف لم طلبت مني الفكس إضافةً لصبغة الشعر. ولجهلي العظيم بهذه الأمور، تخيلت أنهما يخلطان معًا للون أفضل.
أجلس في الصالة بعد أن أنزع الكمامة والقفازات. أضع الأكياس وأخرج صبغة الشعر الGranier والفكس. أرش العلبتين بالمطهر ثم أذهب لأغسل يدي متذكرًا مزحة أبي المعتادة “سبع مرات إحداهن بالتراب”
تستيقظ أختي بعد نص ساعة من وصولي. أذهب لغرفتها وأعطيها العلبتين. تضحك من حيرتي أمام درجات الألوان. “مو مهم، أهم شي يغمق الشعر” أستغرب ثم تكمل “والصبغة مو لي، حق خادمتنا نصيرة، تقول كل ما دقت على ولدها ڤيديو، يشوف أطراف شعرها البيضا، ويبدي يحاتيها إنها كبرت، تبي تصبغ شعرها عشان ما يحاتيها”
لم أتأكد بعد، إن كان اسم نصيرة هو المرادف لاسمها المسجل بالجواز “Nazzra”، لكنها وأمي في لحظة واحدة، قررا عنهما وعنا، أن اسمها سيكون نصيرة. في الأيام الأولى كنا جميعًا نخطئ باسمها الخطأ، فنحذف ياء المد، فتصبح نصرة، ونضيفها فتعود للخطأ، نصيرة.
لا أحد فينا لمحها تبتسم مرة، لكننا جميعًا متأكدين أنها تبتسم أكثر منا جميعًا. فما يكاد يحدث ما يدعو إلى الابتسام، حتى تخفض رأسها في تقطيع كزبرة، أو غسل مواعين، أو تقليب حمسة من على المقلاة.
لم تتح لي فرصة أن أعرف جنسيتها، أو اسم أبنها. فرغم تلاشي جملة أمي التي اعتدتها في صغري مع الزمن “مكان الرجال مو المطبخ” إلا أنها كما هب عجاج على بيت صغير، فرغم مروره إلا أنه يترك وحشته في قسماته. فكلما دخلت المطبخ، شعرت أنني في مكان يجب أن أغادره بسرعة.
بالأمس نزلت الدرج في الثانية صباحًا، فتناهى إلي صوتها تتحدث. لم أكن أعرف أنها المحادثة التي قررت بعدها أن تصبغ شعرها، لكنها يبدو أنها كذلك.
إذا كانت تسهر حتى الثانية صباحًا، وتستيقظ في السادسة والنصف لتكمل أعمال البيت. فلا شك أن الفكس للصداع.
مؤخرًا قرأت كتاب إيمان مرسال “كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها”. تقول إيمان أن هناك نوعين من الأمومة. أمومة المتن والتي تكتسب الصورة النمطية للأم المثالية. أما النوع الثاني فأمومة الهامش، العلاقة الإنسانية بين الأم وأبناءها بعيدًا عن كل الأحكام المسبقة، علاقة كأي علاقة أخرى. أفكر الآن بالأمومة التي تربط نصيرة بابنها، كيف يمكن لنا أن نصف هذا البر بابنها، حتى وهو يبعد عنها “مسافة كم ؟”. هامش الهامش ربما ؟
أمد لها صبغ الشعر والفكس. إضافة إلى آيس كريم “ساندويتش”. بين يديها الكزبرة والبقدونس والجرجير الذي كانت أمي فخورة أنني استطعت أن أميز بينهم. تخبئ ابتسامتها بين الآيسكريم والكزبرة والبقدونس وصبغة الشعر والفكس، وابنها الذي “يبعد كم ؟”

سرّان صغيران، أحدهما سر سعيد، والآخر لا أعرف:
1- في كل تحويل للرواتب الشهرية، راتب نصيرة، أول راتب يصل للعائلة “خمسة وخميسة”
2- لدينا خادمة أخرى تدعى مارليا، لا أعرف اسمها بالإنجليزية يكتب كيف، لا أعرف إن كانت تحتاج صبغة شعر أو فكس، ولا أعرف أين تخبئ ابتسامتها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: