أين يختفي الغبار في الصباح ؟

من صمت المياه المتدفقة على شجرة الكنار قبيل بيت العجمان، لن تعرف عن غبار الليلة الفائتة. كما لن تعرف عنه أيضًا من تغريد القمري على نافذة صالتنا، ولا من الشارع الذي كحمال أسية، يحمل الماء والصابون النازل عن السيارات المغسولة حديثا في حضنه. كل ما يلوح في الأفق قبيل الثامنة والنصف صباحًا، لا يوحي أبدًا بما سيأتي بعده.

حسب برنامج الجو في هاتفي، فإن اليوم الجمعة ١٨ يونيو، آخر يوم للعاصفة الترابية، حسب الفلكي بدر العميرة فإننا في بداية موسم سيطول ٣٩ يوم، وحسب أمي، ستظل الفوطة على عتبة باب البيت حتى ترى بعينها المطر يغسل الكون، ثم بعدها ينتهي الغبار.

أنهي ركضي مسرعا في الثامنة إلا ربع صباحًا. شاور سريع، حقيبة على كتفي تحمل مذكرات غوته ومختارات شعرية من ترجمة حسب الشيخ جعفر، تلويحة لأبي مع السؤال إن كان يحتاج شيئًا، مسباح في يدي اليمنى، الباب في اليسرى، والعالم.

من القصور إلى كوستا بروميناد، أقود سيارتي طاويا طرفي المدينة. وكما لو أن الكويت تتلحف الغبار، يلوح غبش أبيض بسيط خط الأفق من الطرف الشمالي، ثم يحنو بيده برقة على طرف الكويت الآخر. 

خلف ظهري أضع بيتنا وصبح بيتنا وأبي ورائحة الخبز التي تفوح في الفريج، مستقبلًا مكانًا مهما ألفه عقلي والذاكرة، إلا أنه يظل رغم ذلك غريبًا. أجلس في زاوية كوستا ناظرًا للأشياء من حولي، الصبي الذي كان يلعب ألعاب الفيديو بصخب في الزاوية المقابلة، مكانه خاو اليوم، الشقراء التي تصاحب زوجها ذو الظفيرة، يجلس مكانها رجل شامي وحيد، الأبجورة التي ظننت أنني أحفظ مكان قابسها الكهربائي، حين أحنيت رأسي تحت الطاولة، لم أجده. أحاول أن أطمن قلبي بأنني إن حفظت تفاصيل المكان، ستجد الألفة. مكان خاو، رجل شامي، ومقبس تغير مكانه. يوم جديد، لا مكان خاو، لا رجل شامي، وقابس متنقل. الألفة لم تخلق لتسكن الذاكرة.

من كوستا أعود إلى بيتنا بعد صدفة غريبة جمعتني مع دكتوري في الجامعة، الزوارة لا تبدأ حتى الساعة الواحدة ظهرًا، لكن رغم ذلك أختي المتزوجة سبقت الكل وأتت. أليس غريبًا أن يكون غريبًا مجيء أختي لبيتنا قبل الوقت ؟

تُخبِرنا أختي أن ابنها الرضيع وبعد فحص للدم، اتضح أنه يتحسس من ثلاثة أرباع الأكل تقريبًا، تتحدث وتتحدث وكل تركيزي كان كيف تذوب الضمائر في وسط كلامها ليصبحا جسدا واحدًا. من “ولدي صار ما ياكل بسكوت” إلى “صرنا ما ناكل بسكوت”

آلف بيتنا، حتى وإن لم أعرف كل التفاصيل عنه، لكنني رغم ذلك، أحب أن أعرف كل التفاصيل عنه. من تحرك طاولة صغيرة، إلى قطعة طوب سقطت من زاوية البيت العلوية بسبب تركيب أختي لمكيف جديد.

وكان الحديث يجر الحديث، وكما تثير هبة ريح طبقة الغبار الساكنة على الأشياء، أثار تحسس ابن أختي ذاكرة أمي، فقالت أنني في صغري، وفي آخر الفطام، رفضت حليبها، والحليب الصناعي، ولم يسكن فزع أمي حتى اكتشفوا بالصدفة أنني ميال لحليب السعودية، وهو ما ملأ بيتنا منه، بسبب أقاربنا الكثيرين هناك.

في لحظة معينة، لم أستوعب حين سمعت القصة أنها حقيقية. فكما يقولون لشخص “كله من لحم أكتافك”، كان لحم أكتاف الصورة التي رسمتها لنفسي كطفل من القصص التي تكررت عني مرة تلو أخرى. دور الشرنقة الذي مثلته باستخدام السليب باغ، عدم حضور أولى روضة كاملة بسبب ضربة على اليد تلقيتها من مدرسة تدعى “شقحه”. دعس سيجارة خالي لكرهي لرائحتها وسط ضحكه علي، لم أعرف وقتها أن الرائحة تلتصق بالمرء حين يدعس سيجارة أكثر من أن يدخنها. فكانت قصة جديدة أسمعها بعد أربعة وعشرين سنة من سماع القصص، كما لو أنه أحدهم يعطيني لحم، ويقول “أوه نسيتها من جسمك”

لكن لم لا ؟ فما يستحيل في الواقع، يمكن في الذاكرة.

هكذا تزرع الصور بألم، حين تأتي متأخرة. فأنا، وإن لم أقصد، رفضت حليب أمي. وبيت عمي، وإن لم يقصدوا، تهاووا في التفرق، بعد أن كانت عائلة الدكتور التي ليس مثلها. وأصدقائي في طفولتي، وإن لم يقصدوا، لا يزالون يتساسرون بعيدًا عني في زاوية أكوابارك.

من نافذة غرفتي، النخل أطول مما يبدو عليه. من نافذة غرفتي، الغبار أنحف مما يبدو عليه. من نافذة غرفتي، العوائل أسعد مما تبدو عليه. من نافذة غرفتي، الحياة أكثر طبيعية مما تبدو عليه. من نافذة غرفتي، ستكمل الرياح الهبوب، وسأكمل قراءة يوميات غوته بطبعة المتوسط، وسنكتشف في يوم الغد، السبت ١٩ يونيو، بعد الثامنة والنصف صباحًا، من يعرف الغبار أكثر، وإن لم يألفه. برنامج الجو، الفلكي أبو ٣٩ يوم، أم أمي التي تنتظر المطر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: