تحت مصباح واحد

أمر بذات الجسر المؤدي من بيت صديقي في منطقة الشهداء إلى بيتنا في منطقة القصور منذ أن كنت في العاشرة من عمري. وفي كل مرة كنت أعبر فيها ذلك الجسر، كان لون إضاءات الشارع يتغير فجأة من الأبيض إلى البرتقالي حين نصل إلى الخط السريع، ثم يرجع إلى الأبيض عند جسر بيتنا، وهكذا. وفي كل مرة كنت أفكر بسبب ذلك التغيّر بالإضاءات، كان يبدو الأمر عشوائيًا، أو أقرب لإيهام الذات أن مشوار العشر دقائق بين بيتنا وبيت صديقي، يعتبر عبور من مدينة إلى أخرى، في دولة صغيرة مثل الكويت.

تكمن المتعة في مراقبة تلك الإضاءات، حين تتغيّر صورة الأشياء على حسب الضوء المنعكس عليها. فأسفل الأضواء البرتقالية، كان يبدو كل شيء راضيًا عن نفسه، من دكنة السماء الرمادية، حتى بهوت أغصان الأشجار المريح للعين، من تماوج ألوان وريقات الأشجار مع العصافير المختبئة في وسطها، حتى لمعة التربة على أطراف الطريق، من الهواء بحريته، حتى صمت الكون الغير متطلب للحديث، من السيارات المتوزعة على حارات الشارع، حتى هاتفي الذي لا ينتظر اتصالًا من أحد. 

ورغم ما تبدو عليه الجملة التي سأقولها من سخافة، إلا أنه في تلك اللحظة، وتحت تلك الإضاءة، كان كل شيء مكتفيًا وراضيًا بما يملكه، سواي.

في الليلة السابقة لتلك، كنت أبحث عن حاوية تدوير الأوراق، لكنني لم أجدها في كل الأماكن التي أعرف أنها موجودة فيها. كنت أعبر من مكان إلى مكان، وفي سيارتي خمسة أكياس سوداء كبيرة، وكنت أبدو أكثر لطفًا بكوب ڤان كوخ الذي في يدي، وميدالية سيارتي التي بشكل دمية صغيرة، من أن تحمل تلك الأكياس السوداء ما هو أخطر من الأوراق الزائدة.

حين رجعت إلى البيت بالأكياس الخمسة، أخبرت أبوي كيف اختفت كل حاويات إعادة التدوير من المنطقة بين ليلة وضحاها. ولم تمر أكثر من نصف ساعة حتى طرق أبوي باب غرفتي. كانت اللهفة تتخاطف نبرة صوته وهو يخبرني كيف أنه ذهب خلف مسجد الفريج، وكيف أنه وجد ما لم أجده، الحاويات، وكيف أنه حين وجدها، وجد اثنتين بدلًا عن واحدة. ثم أخذ يحكي التفاصيل، ويلوح بيديه شارحًا لي كيف أجد بالتفصيل كل حاوية.

أعرف الفعل السيء حين أفعله، وغالبًا ما أعرف ذلك السوء باللحظة التي أفعله فيها. أعرفه بالبرودة التي تلمس جبيني، الخجل السريع الذي يمر كما رعشة في الجسد، النظرة التي أبحث فيها عن استعادة اللحظة التي مرت للتو.

هكذا عرفت فداحة أن أسأل أبوي ببرود “الي شفتهم يبا هذي حاويات الزبالة العادية، مو حاويات إعادة التدوير” وليست الفداحة هنا بسوء ما عبرت عنه، لكن الفداحة بالنظرة المنكسرة، بالذهاب، بالكتفين المسدلتين بخيبة وسط الذهاب، بالبرودة التي تلمس، بالخجل السريع، بإدراك أن الخطأ، قد يلازم معرفة الصواب في أغلب الأحيان.

أشتاق للحكايات الجميلة، الحكايات التي تمس الروح. كحكاية استغراب أختي حين سألتها إحدى الدارسات “هل يجوز أبوس ولدي الصغير على راسه، لمّ ينسدح على السجادة وأنا ساجدة ؟” قبل أن تجد أختي نفسها تقبّل رأس ولدها وسط السجود، كحكاية البريطانية التي تشرح الأسى في القلب، كما الكرات التي تملأ أصيصًا زجاجيًا، وأن تلك الكرات في الحقيقة لا يتغير عددها، كما أن الأسى لا يختفي، فكل ما يحدث أن الإصيص يكبر، في كل مرة نختبر فيها الحياة.

أتذكر الآن أنني في مشواري للبحث عن حاوية إعادة التدوير، لمحت أحد شياب المسجد وهو يجلس منتظرًا لمدة ليست بالقصيرة تحت أحد المصابيح البرتقالية المحيطة بدوار الفريج، قبل أن يذهب. وقبل ذلك، أبو يعقوب الستيني حمّالي السيراميك، وهو يتحمس للصعود فوق التريله ثم يتراجع عن فعلته.

أتذكر الآن استغرابي من تكرار أبوي بعض الحكايات المرة تلو الأخرى. كالعناوين السياسية للجرائد، كالسير كل المسافة من بيتنا لخلف المسجد لإيجاد ليس حاوية، بل حاويتين. كانتظار الشايب من المسجد، تحت المصباح البرتقالي، أمام مرور ما يقارب خمسين سيارة، قبل ذهابه. كإمساك حافّة التريلة، ووضع الرجل للتسلق، لسحب سيراميك، لبناء بيت كان قد هُدم.

ليست كل تلك الحكايات، حكايات جميلة، لكنها نوع من الحكايات المكتفي بذاته، بالعجز الذي فيه، بالبهوت والسكينة والنقص الذي يملؤه، نوع من الحكايات، التي قد يعيشها الإنسان، قبل أن يدرك أنه يحكيها

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: