تقصّي آثار الدروب

“لو أغمضت عينيك، بين صورة حي، وحي آخر، فأضمن لك أنك لن تستطيع التفريق بينهما”

– في إحدى حلقات بودكاست فنجان

تدريب لتذكر أثر المدينة:

(فيما تسابق غروب الشمس، وهي تزيح يدها بوداعة عن وجه بحر الخليج والأبنية المجاورة له. حاول لعدة دقائق أن تتغاضى عن حرارة الرصيف واجلس عليه مانحًا البحر ظهرك. حاول، إن ساعدك الخيال، وفيما تنظر لأبنية المدينة وهي تشعل مصابيحها الداخلية رويدًا رويدًا، أن تمد يدك في خيالك وتنتزع كل تلك الأبنية واحدًا واحدًا، حتى تصبح المدينة أرضًا فلاة.حاول الآن أن تتذكر، ما الذي تبقى من المدينة في ذهنك، إن نزعنا برج التحرير، وأبراج الكويت، والتجارية والحمرا وكل تلك الأبنية الباقية)

كنت أسرح في خيالي لألعب هذه اللعبة حين نفد شحن هاتفي وأنا أركض في حديقة الشهيد، قاطعًا متعة الاستماع لكتاب “قصص ضائعة – غابرييل غارسيا ماركيز” على قناة مزامير السيدة ميم على اليوتيوب. بدا الأمر مستعصيًا في البداية على نزع أبنية الكويت، لضرب أوتادها عميقًا في مشاويري اليومية. حل بديل، انزع أبنية الرياض. كان الأمر أسهل بالنسبة لي حين تخيلت الرياض، فكل ما أتذكره من أبنيتها من آخر زيارة لبيت خالتي قبل عشر سنوات كان الفيصلية وبضع مبان أخرى صغيرة يسهل نزعها. ابتسامة صغيرة، فما تذكرته عن الرياض، حين غابت أبنية الرياض، كان جميلًا.

أتذكر كلام البودكاست، أفتح هاتفي وأبحث في قوقل عن حي في الرياض، أتأمله ثم أغلق عيني لأتأمل حي بيت خالتي، في مدخل الحي على يمينك بيت أم تركي التي تبيع أحسن معمول معمول دواسر، على يسارك بيت العتبان الذين لم يوفقوا بلون بيتهم، وفي قلب الحي بيت خالتي، وأمام بيت خالتي ددسن زوجها بموديل ٢٠٠٤ المحملة بمشتريات الشهر كالعادة، شجرة المجنونة يسار البيت، التي يتعبون في كل مرة من كنس وريقاتها الزهرية، الاترنج التي كنا نحمل ثمارها ونسخر “ليمون عملاق”، وبين كل هذا، وفي كل مكان، ابتسامات أهالي الحي الغير متوقعة لوصولنا، وهي تلون صورة “أي حي في السعودية” إلى “حي بيت خالتي”

لن تتشابه المدن والأحياء والطرق، ما دمنا نعيشها. 

في أول مرة قدت فيها سيارتي بعد حصولي على الليسن. كان يبدو لي أمرًا بدهيًا ألا أضيع في ذهابي لمستشفى الأحمدي، وسط استغراب صديقي “شلون ما تدل بدون قوقل ماب ؟” أحاول استذكار كيف أتذكر الطريق. يتهادى إلى سمعي صوت أبي وهو يردد ملامح الطريق لمستشفى الأحمدي: هذي مقبرة صبحان، هذا الجسر الي خربوه الشاحنات، هذي منطقة الظهر الي سكن فيها ابو فلان بعد ما كان بالجهراء، هذي الرقة والصباحية التي لم يتغير فيها سوى أنها أصبحنا نتذكرها بوفاة أقاربنا بدلًا عن وجودهم فيها، هذا الجسر الي يوصل الأحمدي بس بدرب أبعد شوي، هذي الأحمدي، هذا بيت عمك فلان، هذا مسجد الشبل، هذا سكن الممرضات، هذا المستشفى. لن يكون سهلًا لو أنني لم أسمع عن ملامح الطريق مرة تلو أخرى. كما لن يكون سهلًا أن نتعرف على المدن والأحياء والطرق، لولا أننا نعيشها. 

لكن، هل سيكون من الممكن للمدن أن تتعرف علينا ؟ هذه بضع نصائح لتمنح المدينة فرصة للتعرف عليك:

– حين يغشى المدينة النعاس في ليلة بقمر مكتمل، كهذه الليالي. ابحث عن أقرب مكان تبدو فيه رؤية السماء واضحة، ويفضل أن تكون برفقة استكانة شاي نعناع، وشخص يعز عليك. ففيما تتأمل سماء المدينة، والقمر المبتسم، ستتأمل فيك أيضًا سماء المدينة، والقمر المبتسم.

– اقطع ورقة صغيرة من شجرة مجاورة، واستعملها كفاصل في كتاب مثل “كائن لا تحتمل خفته لكونديرا” ففعل ذلك سيجعلك بكل تأكيد بالنسبة للمدينة كائن تحتمل خفته.

– حاول أن تركن سيارتك في مكان بعيد قليلًا إن كان الجو مناسبًا، فليس هناك فرصة أفضل من تلك الفرص الصغيرة، لتُرِيَ المدينة معدنك الحقيقي بمساعدة عجوز في تحميل الفواكه لسيارتها، أوب تلويحة سلام لعمال النظافة، أو حتى بالمشي بسلام لوجهتك.

– لا تنهي قهوتك في البيت أو المقهى، اترك قليلًا منها لترافقك حتى سيارتك. فكما يقول صديق، المدينة is someone to walk with

– حين تمارس رياضتك اليومية، إن كانت في مكان خارجي “كالشهيد أو بوليفارد”، لا تنظر لهاتفك أو مكان وطء قدميك. ارفع رأسك قليلًا، قليلًا فقط، فالمدينة بحضنها الواسع، بقلبها الكبير، بالأشجار، بالناس، بالطرق، بالأحياء، تنتظرك.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: